ابن خلدون

402

رحلة ابن خلدون

وأرادني على السّفر معه في ركاب السّلطان ، فتجافيت عن ذلك . ثم أظهر العزم عليّ بليّن القول ، وجزيل الإنعام فأصخيت ، وسافرت معهم منتصف شهر المولد الكريم من سنة ثلاث ، فوصلنا إلى غزّة ، فأرحنا بها أياما نترقب الأخبار ، ثم وصلنا إلى الشام مسابقين الطّطر إلى أن نزلنا شقحب ، « 1819 » وأسرينا فصبّحنا دمشق ، والأمير تمر في عساكره قد رحل من بعلبكّ « 1820 » قاصدا دمشق ، فضرب السّلطان خيامه وأبنيته بساحة قبة يلبغا . ويئس الأمير تمر من مهاجمة البلد ، فأقام بمرقب على قبّة يلبغا يراقبنا ونراقبه أكثر من شهر ، تجاول العسكران في هذه الأيام مرات ثلاثا أو أربعا ، فكانت حربهم سجالا ، ثم نمي الخبر إلى السّلطان وأكابر أمرائه ، أنّ بعض الأمراء المنغمسين في الفتنة يحاولون الهرب إلى مصر للثورة بها ، فأجمع رأيهم للرجوع إلى مصر خشية من انتقاض الناس وراءهم ، واختلال الدّولة بذلك ، فأسروا ليلة الجمعة من شهر ( . . . . . ) ، « 1821 » وركبوا جبل الصّالحية ، ثم انحطّوا في شعابه ، وساروا على شافة البحر إلى غزّة ، وركب الناس ليلا يعتقدون أن السّلطان سار على الطريق الأعظم إلى مصر ، فساروا عصبا وجماعات على شقحب إلى أن وصلوا إلى مصر ، وأصبح أهل دمشق متحيّرين قد عميت عليهم الأنباء . وجاءني القضاة والفقهاء ، واجتمعت بمدرسة العادلية ، واتّفق رأيهم على طلب الأمان من الأمير تمر على بيوتهم وحرمهم ، وشاوروا في ذلك نائب القلعة ، فأبى عليهم ذلك ونكره ، فلم يوافقوه . وخرج القاضي برهان الدّين بن مفلح الحنبلي « 1822 »

--> ( 1819 ) بفتح الشين والحاء المهملة ، وسكون القاف بينهما ( كجعفر ) ، ويقول المقريزي في الخطط 3 / 399 ( طبع مصر ) : « . . . إنها بظاهر دمشق » ؛ وزاد في السلوك ص 932 : « تحت جبل غباغب » ؛ فهي - بناء على هذا - في جنوب دمشق . وانظر تاج العروس ( شقب ) . ( 1820 ) بعلبلك : Baal - Bek ) عرضها الشمالي 33 - 85 ، وطولها الشرقي 36 - 11 ) إحدى مدن لبنان المشهورة ، وهي واقعة في الشمال لمدينة زحلة . وانظر ياقوت 2 / 336 - 338 . ( 1821 ) بياض بالأصلين ، ولعلّه يريد « شهر جمادى الآخرة » . وانظر تاريخ ابن إياس 1 / 329 . ( 1822 ) هو برهان الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح ( 749 - 803 ) ، وكان يحسن اللغتين : التركية ، والفارسية ، ولعلّهم - لذلك - اختاروه للسفارة . وانظر ابن إياس 1 / 336 .